أهمية التحكيم التجاري

الأصل أن القضاء كسلطة من سلطات الدولة يختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين أطراف العلاقة التجارية سواءً على المستوى الوطني أو المستوى الدولي. 

فؤاد قائد سيف

 ماجستير في القانون الخاص

مدرس في كلية الحقوق - جامعة تعز

محامي أمام المحكمة العليا

إلا أن طبيعة المعاملات والعقود التجارية (خاصة الدولية) القائمة على الثقة والسرعة, قد جعلت القائمين عليها يفرضون نظاماً بديلاً لحسم المنازعات التي تنشأ في مجال التجارة الدولية, إنه نظام التحكيم التجاري الذي يواكب ما وصلت إليه التجارة الدولية من تطور ويساهم في ازدهارها, وذلك لما يتمتع به من مزايا عديدة كالمرونة والسرعة وبساطة الإجراءات وسهولتها والاقتصاد في الجهد والوقت والنفقات والسرية والمحافظة على العلاقة الودية بين الخصوم. 

والتحكيم هو نظام معروف منذ القدم, إلا أنه أخذ بالتطور والانتشار خاصة في مجال التجارة الدولية, في ظل تطور وسائل الاتصال الحديثة والأشكال الجديدة للعقود التجارية والصناعية الدولية, وقد زادت أهميته في العصر الحديث على الصعيدين الدولي والوطني, ولا نبالغ إذا قلنا أنه لا يكاد يخلو عقد من عقود التجارة الدولية من شرط يوجب سلوك سبيل التحكيم لفض المنازعات التي قد تثور بشأن تفسير هذا العقد أو تنفيذه, فقد كثر اللجوء إلى التحكيم للفصل في المنازعات الخاصة الدولية, وذلك تجنباً للمشاكل الناجمة عن التنازع الدولي للقوانين, وعن تنازع الاختصاص القضائي لمحاكم الدولة المختلفة, ومما ساعد على تعاظم دور التحكيم على المستوى الدولي هو غياب محاكم دولية مختصة بنظر المنازعات الناجمة عن علاقات القانون الخاص. 

وعلى المستوى الوطني فقد كثر اللجوء إلى التحكيم لفض المنازعات التجارية بين طرفي العلاقة التجارية, وحسمها حسماً سريعاً بعيداً عن محاكم الدولة, وتفادياً لبطء اجراءات التقاضي أمامها وتعقيدها, واقتصاداً في الوقت والجهد والنفقات, ففي كثير من الأحوال لا ينتج عن اللجوء لمحاكم الدولة سوى عدالة بطيئة تسير وكأن في قدميها أثقال, حتى إذا ما وصلت متأخرة إلى من يستحقها كانت عديمة الفائدة. 

ولذلك يجد أطراف العلاقات التجارية (سواءً كانوا أفراداً أو شركات) في التحكيم غايتهم المنشودة في تحقيق عدالة سريعة، مع المحافظة على سرية النزاع إن أراد ذلك، فالالتجاء إلى التحكيم يؤدي إلى تفادي علانية جلسات المحاكم، وما قد يؤدي عن هذه العلانية من كشف لأسرار النزاع أو الأسرار التجارية، وما يترتب على ذلك من مضار أحياناً، كما أنه غالباً ما يكون المحكم من ذوي الخبرة والتخصص في المنازعة محل التحكيم وهو ما يؤدي إلى الفصل في النزاع وفق أسس سليمة وصحيحة من الناحية القانونية والموضوعية.  

وخصوصية التحكم تنبع من أنه أداة اتفاقية لتحقيق العدالة، قائم على سلطان إرادة المتنازعين الذي يختارونه كوسيلة أو أداة للفصل في نزاعاتهم بواسطة محكم أو محكمين مستقلين أو تابعين لمركز تحكيم. 

فالتحكيم التجاري كما عرفه فقهاء القانون هو اتفاق الأفراد على عرض النزاع القائم فعلاً أو المحتمل أن يثور مستقبلاً على شخص أو أشخاص معينين يسمون محكمين يختارونه للفصل فيه دون قضاء الدولة، وبالرغم من أن التحكيم التجاري نظام يستند أساساً إلى تراضي أطراف النزاع على اختيار محكم أو أكثر للفصل في نزاع قائم بينهما سواءً وفقاً لأحكام القانون أو وفقاً لقواعد الإنصاف والعدالة متى اتفق اطراف النزاع على تفويض المحكمين بالصلح، أي أنه يقوم بوظيفة قضاء الدولة، إلا أنه لا يكتسب هذه الوظيفة إلا بحكم القانون، إذ أن شرعية التحكيم ثابتة من اعتراف القانون به كنظام بديل عن السلطة القضائية يقوم بوظيفتها، كما يعترف القانون بأحكام التحكيم ويمنحها حجية أحكام القضاء ومكنة تنفيذها بذات وسائل تنفيذ هذه الأحكام، باعتبارها أحكاماً ملزمة لأطرافها. 

ولذلك فقد عنيت الدول بوضع نظام قانوني للتحكيم يراعي المبادئ السائدة لفكرة العدالة مع الأخذ في الاعتبار المسائل اللصيقة بفكرة التحكيم، ومبادئ العدالة هذه تتمثل في استقلال المحكم أو هيئة التحكيم والمساواة بين الخصوم واحترام حقوق الدفاع وحياد المحكم وغير ذلك من النظم الاجرائية التي تشكل المبادئ الأساسية للتقاضي أمام قضاء الدولة. 

وختاماً .. فإن التحكيم وانتشار مراكز التحكيم في البلد يعد أهم الوسائل التي تساعد على تشجيع المستثمر الأجنبي على الاستثمار في البلد، لأن المستثمرين الأجانب سواءً كانوا أفراداً أو شركات يفضلون عادة أسلوب التحكيم كوسيلة لتسوية المنازعات، كونهم يتوجسون خيفة من انحياز القضاء الوطني لدولته، ويرون في التحكيم وسيلة محايدة تدعو إلى الطمأنينة.

فؤاد قائد 

1 1 1 1 1 1 1 1 1 1 Rating 3.17 (3 Votes)

 

 جميع الحقوق محفوظة 
 E-Buziness© 2016